القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار

مالك بن الرَّيْب التميمي

مالك بن الرَّيْب التميمي

نسبه : مالك بن الرَّيب شاعر من بني مازن بن عمرو بن تميم، وكنيته أبو عقبه، نشأ في نجد وهو أحد فرسان بني مازن.

مالك بن الرَّيْب التميمي
مالك بن الرَّيْب التميمي


ولادته ونشأته

ولد في عهد عمر بن الخطاب في قرية عنيزة بالقصيم،وعايش أقسى الفترات التي مرّت بالتاريخ الإسلامي وهي فترة معاوية بن أبي سفيان، فكان يرى استئثار الأمويين وأتباعهم بالأموال وعيشهم حياة الترف والبذخ في حين كان يقبع الشعب تحت وطأة الجوع والفقر والفاقة والذل وقمع الحريات.
كان ولاة بني أمية (يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع) كما وصفهم أمير المؤمنين (عليه السلام) و(اتخذوا مال الله دولا وعبداه خولا)، وبلغت بشاعة الوالي الأموي من قبل معاوية المنذر بن الزبير القرشي ووزيره ومساعده (مسلم الباهلي) في سياستهما الظالمة أن زرعا القهر والجوع والإرهاب وأوغلا في سفك الدماء وعاثا فساداً في الأرض واستأثرا ببيت المال فأثقل ذلك على المسلمين فانتشر الفقر والجوع وتفشى الإرهاب في قرى القصيم.
وكان شابا شجاع فاتكاً لا ينام الليل إلا متوشحاً سيفه ولكنه استغل قوته في قطع الطريق هو وثلاثة من أصدقائه، لازم شظاظاً الضبي الذي قالت عنه العرب ألص من شظاظ.

شباب مالك بن الرَّيب 

جمع مالك أكثر من 30 صعلوكا على رأسهم شظاظ الضبي وأبي حردبة المازني التميمي وغويث بن كعب التميمي، لقطع الطريق، وكان ذلك في خلافة معاوية بن أبي سفيان، وقد شاع خبرهم في أرجاء الدولة الأموية وتناقل الناس أخبارهم، وتجنبوا المرور في طرقاتهم وحذروا من مفاجآتهم، وفيهم يقول الراجز:
الله نجاك من القـصـيم..وبطن فلج وبني تـمـيم
ومن ابي حـردبة الأثـيم..ومالك وسيفه المسمـوم
ومن شظاظ الأحمر الزنيم..ومن غويث فاتح العكوم

جهاده

وفي يوم مر عليه سعيد بن عثمان بن عفان -ابن الصحابي عثمان بن عفان -رضي الله عنهما- وهو متوجه لإخماد فتنة في تمرّد بأرض خُرسان فأغراه بالجهاد في سبيل الله بدلاّ من قطع الطريق، فاستجاب مالك لنصح سعيد فذهب معه وأبلى بلاءً حسناً وحسنت سيرته وفي عودته بعد الغزو وبينما هم في طريق العودة مرض مرضاً شديداً أو يقال أنه لسعته أفعى وهو في القيلولة فسرى السَّم في عروقه وأحسَّ بالموت فقال قصيدة يرثي فيها نفسه، وصارت قصيدته تُعرف ببكائية مالك بن الريب التميمي. وهذه بعض أبيات قصيدته :

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةبجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا
فليت الغضا لم يقطع الركبُ عرضهوليت الغضا ماشى الركاب لياليا
لقد كان في أهل الغضا لو دنا الغضامزار ولكن الغضا ليس دانيا
ألم ترني بعت الضلالة بالهدىوأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
وأصبحت في أرض الأعادي بعدماأراني عن أرض الأعادي قاصيا
دعاني الهوى من أهل ودّي وصحبتيبذي الطبسين، فالتفت ورائيا
أجبت الهوى لما دعاني بزفرةتقنعت، منها أن ألام، ردائيا
أقول وقد حالت قرى الكرد بينناجزى الله عمرا خير ما كان جازيا
إنْ الله يرجعني من الغزو لا أرىوإن قلّ مـالي طالبا ما ورائيا
تقول ابنتي لما رأت طول رحلتيسفارك هذا تاركي لا أبا ليا
لعمري لئن غالت خراسان هامتيلقد كنت عن بابي خراسان نائيا
فإن أنج من بابي خراسان لا أعدإليها وإن منيتموني الأمانيا
فلله دري يوم أترك طائعابنيَّ بأعلى الرقمتين، وماليا
ودرٌ الظباء السانحات عشيةيخبّرن أني هالك من ورائيا
ودر كبيريَّ الذين كلاهماعليَّ شفيق ناصح لو نهانيا
ودر الرجال الشاهدين تفتكيبأمري ألا يقصروا من وثاقيا
ودر الهوى من حيث يدعو صحابهودر لجاجاتي ودر اتنهائيا
تذكرت من يبكي علي فلم أجدسوى السيف والرمح الرديني باكيا
وأشـقرَ خنديداً يجـرُّ عِنانهإلى الماء لم يترك له الموت ساقيا
ولكنْ بأكناف (السُّمَيْنَةِ) نسوةٌعزيزٌ عليهنَّ العشيةَ ما بيا
صريعٌ على أيدي الرجال بقفرةيُسّوُّون لحدي حيـث حُـمَّ قضائيا
ولما تراءت عند مروٌ منيّتيوحلّ بها جسمي وحانت وفاتيا
أقولُ لأصحابي ارفعوني فإننييقرُّ بعيني أن سهيل بدا ليا
فيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلابرابية إني مقيم لياليا
أقيما علي اليوم أو بعض ليلةٍولا تعُجلاني قد تبيّن مابيا
وقوما إذا ما استُل روحي فهيّئالي القبر والأكفان ثم ابكيا ليا
وخطا بأطراف الأسنة مضجعيوردّا على عيني فضل ردائيا
ولا تحسُداني بارك الله فيكُمامن الأرض ذات العرض أن توسعا ليا
خُذاني فجُرّاني ببردي إليكمافقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا
وقد كنت عطّافاً إذا الخيل أدبَرتْسريعاً لدي الهيجا إلى من دعانيا
وقد كنت محموداً لدى الزاد والقرىوعن شتم بن العم والجار وانياً
وقد كنت صبارا على القرن في الوغىثقيلاً على الأعداء عضبا لسانيا
فطورا تراني في ظلال ونعمةوطورا تراني والعتاق ركابيا
وطورا تراني في رحى مستديرةتخرق أطراف الرماح ثيابيا
وقوما على بئر الشبيكي فأسمعابها الوحش والبيض الحسان الروانيا
بأنكما خلفتماني بقفرةتهيل عليّ الريح فيها السوافيا
ولا تنسيا عهدي خليلاي إننيتقطَع أوصالي وتبلى عظاميا
فلن يعدم الولدان بثا يصيبهمولن يعدم الميراث مني المواليا
يقولون لا تبعد وهم يدفنونيوأين مكان البعد إلا مكانيا
غداة غدٍ يا لهف نفسي على غدإذا أدلجوا عني وخلفت ثاويا
وأصبح مالي من طريف وتالدلغيري وكان المال بالأمس ماليا
فيا ليت شعري هل تغيرت الرحىرحى الحرب أو أضحت بفلج كما هيا
إذا الحيُّ حَلوها جميعاً وأنزلوابها بَقراً حُمّ العيون سواجيا
رَعَينَ وقد كادَ الظلام يُجِنُّهـايَسُفْنَ الخُزامى مَرةً والأقاحيا
وهل أترُكُ العِيسَ العَواليَ بالضُّحىبِرُكبانِها تعلو المِتان الفيافيا
إذا عُصَبُ الرُكبانِ بينَ (عُنَيْزَةٍ)و(بَوَلانَ) عاجوا المُبقياتِ النَّواجِيا
فيا ليت شعري هل بكت أم مالككما كنت لو عالوا نَعِيَّـكِ باكيا
إذا مُتُّ فاعتادي القبور وسلميعلى الرمس أسقيتي السحاب الغواديا
تري جَدَثٍ قد جرت الريح فوقهغبارا كلون القسطلان هابيا
رهينة أحجار وترب تضمنتقرارتها مني العظام البواليا
فيا راكبا إما عرضت فبلغنبني مالك والريب ألا تلاقيا
وبلغ أخي عمران بردي ومئزريوبلغ عجوزي اليوم أن لا تدانيا
وسلم على شيخيّ مني كليهماوبلغ كثيرا وابن عمي وخاليا
وعطل قلوصي في الركاب فإنهاسَتَفلِقُ أكباداً وتبكي بواكيا
بعيد غريب الدار ثاو بقفرةيد الدهر معروفا بأن لا تدانيا
أقلب طرفي حول رحلي فلا أرىبه من عيون المؤنسات مراعيا
وبالرّمل مني نسوةًّ لو شهد ننيبكين وفدّين الطبيب المداويا
فمنهن أمّي وابنتاها وخالتيوباكية أخرى تهيج البوا كيا
وما كان عهد الرّمل مني وأهلهِذميماً ولا بالرّملِ ودّعت ُ قاليا

خصائص القصيدة

إذا تأملت هذه القصيدة العظيمة اتضحت لك فيها الخصائص الآتية:
1_ أن العاطفة فيها تكثر فيها مشاعر الصِّدق؛ لأن الشاعر حين يرثي نفسه يكون منفعلاً بإحساس لا مثيل له، إذ أن نفسه أغلى عليه من كلِّ غالٍ.

2_ المعاني فيها عميقة وجميلة، إذ يتحدث عن سيفه ورمحه وحصانه، وهي تبكي بطولاته وفروسيته، وفيه توصية لرفاقه تأثير موجِع حقاً، ومن معانيه الطريفة : معنى تَشابه فيه مع شاعر انجليزي جاء بعده مرحبا وهو قوله (خُطّا بأطراف الأسنة مضجعي)، ومن أجمل معانيه مقارنته بين حالته وهو ميت يَسهُل على أصحابه أن يجرّوه، وبين حالته وهو في كامل صحته حين كان من الصعب على أصحابه أن يجرّوه، كما أنّ في ذكره لزوجه ووالدته وقريباته، وتصوير شعورهُنَّ حين يبلغهن النبأ إبداعاً ممتازاً.

3_ الصور والأخيلة الواردة في معظم القصيدة بدوية، ولكن بعضها يوضح مظاهر الفتوحات الإسلامية، ومن الإشارات البدوية :
(أزجي القلاص النواحيا) (لم أجد سوى السيف والرمح الرديني باكياً) (وأشقر محبوك) (سهيل) (ياصاحبي رحلي، هيئا السدر)

4_ في القصيدة تكرار بليغ الوقع والتأثير، فقد كرّر كلمتي (الفضا، والرّمل) عدة مرات لشدة حبه لهذين الموضعين، حتى لقد كرر كلمة الفضا ثلاث مرات في بيت واحد وهو البيت الثالث.
* بلاد الغضا هي القصيم من بلاد قبيلته بني تميم.

وتتمتع هذه القصيدة في أدبنا بشهرة عالية ويرجع السبب إلى صدق مشاعر الشاعر؛ فالانسان مهما صدقت عاطفته في رثاء حبيب أو صديق فلن تكون أصدق منها عندما يرثي نفسه.

تم بحمد الله وعونه.
reaction:

تعليقات