القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار

الخنساء حياتها وشعرها

الخنساء 

هي تماضر بنت عمرو بن الحارث السلمية ولقبها الخنساء، وسبب تلقيبها بالخنساء لقصر أنفها وارتفاع أرنبتيه، وهي إحدى نساء قبيلة مضر، ومن أهل نجد، وقد أمضت أكثر حياتها في العصر الجاهلي.

أسلمت الخنساء مع قبيلتها، وذهبت معهم إلى المدينة المنورة؛ لملاقاة الرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم، وقد كان رسول الله يستنشدها ويُعجب كثيراً بأشعارها؛ إذ كانت تُنشد الأشعار، وهو يقول لها: (هيه يا خنساء).

الخنساء -شاعرة في  العصر الجاهلي



أدركت الخنساء الإسلام، فأسلمت وحَسُن إسلامها، وتبدّلت بواعث بكائها، فصارت تقول -كما روى ابن قتيبة-: "كنت أبكي لصخر من القتل، فأنا أبكي له اليوم من النار!
كانت الخنساء شاعرة منذ عصر الجاهلية، وعندما قُتل أخواها صخر ومعاوية، حزنت حزنًا شديدًا وبكتهما في الجاهلية أعوامًا طويلة وندبتهما بشعرها الحزين، وأسرفت في ذلك حتى امتلأ ديوانها بهذا الشعر الذي فيه الرثاء، ومما قالته في رثاء أخيها صخر:

_ وَإِنَّ صَخرًا لَـوالِينا وَسَـيِّدُنا
وَإِنَّ صَخرًا إِذا نَشتو لـنَحّارُ

_ وَإِنَّ صَخرًا لَـتَأتَمَّ الهُداةُ بِهِ
كَأَنّهُ عـلَمٌ فـي رَأسِهِ نارُ

_مِثلَ الـرُدَينِيِّ لَـم تَنفَذ شَبيبَتُهُ
كَأَنَّهُ تَحتَ طَيِّ البُردِ أُسوارُ

ولكن أعظم صورة وأقوى موقف لها كان في معركة القادسية، وفي صحبتها أولادها الأربعة، كان ذلك في السنة الرابعة عشرة للهجرة عندما أرسل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سعدًا بن أبي وقاص - رضي الله عنه - على رأس جيش لفتح العراق وتحريرها من الإمبراطورية الفارسية. سار جيش يعد للجهاد في سبيل الله تعالى حتى وصلوا إلى القادسية من أراضي العراق، وهناك التقى الجيشان جيش المسلمين وقائدهم سعد بن أبي وقاص وجيش الفرس وقائدهم رستم، وكان مع جيش الفرس آلة قتال رهيبة لم يعهدها المسلمون من قبل ولم يألفوها، وعدد كبير من الفيلة يقال إنه ثلاثون فيلًا ويقال سبعون فيلًا، كان اليوم الأول من المعركة يومًا شديدًا على المسلمين، حيث جعلت الخيول تفر بسبب رؤيتها للفيلة وسماعها لصوتها. شاركت الخنساء في معركة القادسية ضمن جمع النساء، فكن يخدمن الجيش ويطعمن ويسقين ويرعين أمور الجند ويرددن الجرحى والقتلى إلى معسكر المسلمين.

جمعت الخنساء أولادها الأربعة عشية الليلة الثالثة من ليالي المعركة وخطبت فيهم قائلة: «يا بني، إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله غيره إنكم لبنو رجل واحد كما إنكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم، وإنكم تعلمون ما أعده الله تعالى للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين.. سكتت الخنساء هُنيهة وهي تنظر إلى أولادها بعينين أغرورقتا بالدموع ثم تابعت تقول: اعلموا يا أبنائي أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، والله تعالى يقول: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون» (آل عمران: 200)».

في ذلك اليوم الذي استشهد فيه أولاد الخنساء الأربعة تم النصر للمسلمين بعد قتال دام أربعة أيام، وقُتل رستم قائد الفرس وفر جنود العدو لا يلوون على شيء. بلغ الخنساء خبر استشهاد أولادها الأربعة مرفقًا بخبر النصر على الأعداء، رفعت يديها إلى السماء عندما بلغها نبأ استشهاد أولادها الأربعة في القادسية لتقول بلسانٍ واثقٍ وقلبٍ مطمئن: الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم وإني لأرجو أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.

أشعرَت الخنساء وبرز شعرها، وطار ذكره في الآفاق، وذاع بين الناس، لمّا فقدت أخويها صخر ومعاوية في الجاهلية، فملأت الدنيا بكاءً عليهما، وغالت في جزعها وشَجَنها، فاسترسلت في أحزانها، وتواصلت في بكائها، وأعان شعرها الحزانى على فيض العَبرات، وذرف الدموع، وإنِّي لأحسَبُ أنَّ كلّ عينٍ تجودُ بقَطْرِها -إلى وقتنا- فيها حرارةٌ مِن حرِّ دموع الخنساء، وفيها معنى من معاني التياعها وأسفها!

يا عينِ جودي بدمعٍ منكِ مَسكُوبِ
كلؤلؤٍ جالَ في الأسْماطِ مثقوبِ

إنِّي تذكّرتُه واللّيل معتكِرٌ
ففي فؤادي صدعٌ غيرُ مشعوبِ

**وقد كان يغلب على شعر الخنساء البكاء والتفجع والمدح والتكرار ، لأنها سارت على وتيرة واحدة تميزت بالحزن والأسى وذرف الدموع ، بالأخص رثاها لأخيها صخر ، الذي كانت تحبه حبا لايوصف ورثته رثاءا حزينا وبالغت فيه ، حتى عدت أعظم شعراء الرثاء

ومن أشهر قصائدها :
أبنت صخر تلكما الباكية
ألا لا أرى في الناس مثل معاوية
أرى الدهر أفنى معشري وبني أبي
من حس لي الأخوين
بكت عيني وعاودها قذاها
يالهف نفسي على صخر وقد فزعت
أمن ذكر صخر دمع عينك يسجم
يا عين جودي بالدموع
أبكي لصخر أذا ناحت مطوقة
قذى بعينك أم بالعين عوار
ياصخر من لحوادث الدهر
ألا أبكي على صخر وصخر ثمالنا

**الديوان » العصر الجاهلي » الخنساء » ألا لا أرى في الناس مثل معاوية
أَلا لا أَرى في الناسِ مِثلَ مُعاوِيَه
إِذا طَرَقَت إِحدى اللَيالي بِداهِيَه
بِداهِيَةٍ يَصغى الكِلابُ حَسيسَها
وَتَخرُجُ مِن سِرِّ النَجِيِّ عَلانِيَه
أَلا لا أَرى كَالفارِسِ الوَردِ فارِساً
إِذا ما عَلَتهُ جُرأَةٌ وَعَلانِيَه
وَكانَ لِزازَ الحَربِ عِندَ شُبوبِها
إِذا شَمَّرَت عَن ساقِها وَهيَ ذاكِيَه
وَقَوّادَ خَيلٍ نَحوَ أُخرى كَأَنَّها
سَعالٍ وَعِقبانٌ عَلَيها زَبانِيَه
بَلَينا وَما تَبلى تِعارٌ وَما تُرى
عَلى حَدَثِ الأَيّامِ إِلّا كَما هِيَه
فَأَقسَمتُ لا يَنفَكُّ دَمعي وَعَولَتي
عَلَيكَ بِحُزنٍ ما دَعا اللَهَ داعِيَه


**أَبِنتُ صَخرٍ تِلكُما الباكِيَة
لا باكِيَ اللَيلَةَ إِلّا هِيَه
أَودى أَبو حَسّانَ واحَسرَتا
وَكانَ صَخرٌ مَلِكُ العالِيَه
وَيلايَ ما أُرحَمُ وَيلاً لِيَه
إِذ رَفَعَ الصَوتَ النَدى الناعِيَه
كَذَّبتُ بِالحَقِّ وَقَد رابَني
حَتّى عَلَت أَبياتُنا الواعِيَه
بِالسَيِّدِ الحُلوِ الأَمينِ الَّذي
يَعصِمُنا في السَنَةِ العادِيَه
لَكِنَّ بَعضَ القَومِ هَيّابَةٌ
في القَومِ لا تَغبِطُهُ البادِيَه
لا يَنطِقُ العُرفَ وَلا يَلحَنُ
العَزفَ وَلا يَنفُذُ بِالغازِيَه
إِن تُنصَبِ القِدرُ لَدى بَيتِهِ
فَغَيرُها يَحتَضِرُ الجادِيَه
لَكِن أَخي أَروَعُ ذو مِرَّةٍ
مِن مِثلِهِ تَستَرفِدُ الباغِيَه
لا يَنطِقُ النُكرَ لَدى حُرَّةٍ
يَبتارُ خالي الهَمِّ في الغاوِيَه
إِنَّ أَخي لَيسَ بِتَرعِيَّةٍ
نِكسٍ هَواءِ القَلبِ ذي ماشِيَه
عَطّافُهُ أَبيَضُ ذو رَونَقٍ
كَالرَجعِ في المُدجِنَةِ السارِيَه
فَوقَ حَثيثِ الشَدِّ ذو مَيعَةٍ
يَقدُمُ أولى العُصَبِ الماضِيَه
لا خَيرَ في عَيشٍ وَإِن سَرَّنا
وَالدَهرُ لا تَبقى لَهُ باقِيَه
كُلُّ اِمرِئٍ سُرَّ بِهِ أَهلُهُ
سَوفَ يُرى يَوماً عَلى ناحِيَه
يا مَن يَرى مِن قَومِنا فارِساً
في الخَيلِ إِذ تَعدو بِهِ الضافِيَه
تَحتَكَ كَبداءٌ كُمَيتٌ كَما
أُدرِجَ ثَوبُ اليُمنَةِ الطاوِيَه
إِذ لُحِقَت مِن خَلفِها تَدَّعي
مِثلَ سَوامِ الرَجُلِ الغادِيَه
يَكفَأُها بِالطَعنِ فيها كَما
ثَلَّمَ باقي جَبوَةِ الجابِيَه
تَهوي إِذا أُرسِلنَ مِن مَنهَلٍ
مِثلَ عُقابِ الدُجنَةِ الداجِيَه
عارِضُ سَحماءَ رُدَينِيَّةٍ
كَالنارِ فيها آلَةٌ ماضِيَه
أَشرَبَها القَينُ لَدى سَنَّها
فَصارَ فيها الحُمَةُ القاضِيَه
أَنّى لَنا إِذ فاتَنا مِثلُهُ
لِلخَيلِ إِذ جالَت وَلِلعادِيَه
أُقسِمُ لا يَقعُدُ في بَلدَةٍ
نائِيَةٍ عَن أَهلِهِ قاصِيَه
فَأَقصَدُ السَيرِ عَلى وَجهِهِ
لَم يَنهَهُ الناهي وَلا الناهِيَه

عرفت الخنساء رضي الله عنها بحرية الرأي وقوة الشخصية، ونستدل على ذلك من خلال نشأتها في بيت عـز وجاه مع والدها وأخويها معاوية وصخر، والقصائد التي كانت تتفاخر بها بكرمهما وجودهما، وأيضا أثبتت قوة شخصيتها برفضها الزواج من دريد بن الصمة أحد فرسان بني جشم؛ لأنها آثرت الزواج من أحد بني قومها، فتزوجت من ابن عمها رواحة بن عبد العزيز السلمي، إلا أنها لم تدم طويلاً معه؛ لأنه كان يقامر ولا يكترث بماله، لكنها أنجبت منه ولدًا، ثم تزوجت بعده من ابن عمها مرداس بن أبي عامر السلمي، وأنجبت منه أربعة أولاد.

توفيت الخنساء في عام 645 وكان عمرها 71 سنة وقد وصلت شهرتها الآفاق.
reaction:

تعليقات